مدبولي أمام الأمم المتحدة: السلام لا يُبنى على اقتلاع شعب من أرضه
كتبت:إيمان خالد خفاجي
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن استعادة الثقة في النظام الدولي تتطلب تعزيز العدالة في التمثيل وصنع القرار، وضمان تطبيق القانون على الجميع، وتوفير فرص عادلة للتنمية والتحول، مشددًا على ضرورة تجاوز سياسات القوة والاستقطاب والمعايير المزدوجة والعودة إلى الاحتكام للقانون الدولي.
جاء ذلك خلال ترؤس مدبولي وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث ألقى بيان جمهورية مصر العربية أمام جلسة النقاش العام للشق رفيع المستوى من أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك.
وفي مستهل كلمته، رحب رئيس الوزراء بخليل الرحمن، رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، ورؤساء الدول والحكومات المشاركين، كما وجه التهنئة إلى رئيس الدورة الجديدة، مؤكدًا دعم مصر وثقتها في قدرته على إدارة أعمال الدورة بنجاح.
وأشار مدبولي إلى أن اجتماعات الجمعية العامة تنعقد هذا العام تحت شعار "استعادة الثقة، وإدارة التحول"، موضحًا أن العالم يشهد تغيرات متسارعة تفوق في كثير من الأحيان قدرة مؤسسات الحوكمة الدولية على الاستجابة، وأن الأزمة لا ترتبط بغياب المواثيق والمبادئ، بقدر ما تتعلق باتساع الفجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم تطبيقه على أرض الواقع.
وشدد رئيس الوزراء على أن العالم يحتاج إلى تعددية دولية فعالة، لا تقتصر على جمع الدول في ساحات النقاش، وإنما تضمن أن يكون لكل دولة صوت مسموع، ولكل شعب نصيب عادل من القرارات والفرص والموارد.
وقال إن الثقة في جدوى العمل الجماعي والنظام متعدد الأطراف تراجعت، وهو ما يستدعي استعادة الاحتكام إلى القانون الدولي، والابتعاد عن سياسات القوة والاستقطاب والمعايير المزدوجة.
وأضاف أن دول الجنوب العالمي، التي تمثل الغالبية الساحقة من سكان العالم، تعد من أكثر الأطراف تأثرًا بتراجع سيادة القانون الدولي وضعف أطر الحوكمة والتعاون الدوليين.
وأوضح مدبولي أن مصر ترى أن استعادة الثقة في النظام الدولي تقوم على ثلاث ركائز مترابطة، هي العدالة في التمثيل وصنع القرار، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية والتحول.
وأكد أن مصر لا تدعو إلى إعادة بناء النظام الدولي من الصفر، وإنما إلى الوفاء بالوعود والمقاصد التي تأسس عليها، وفي مقدمتها المساواة في السيادة بين الدول، واحترام القانون، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتعزيز التعاون الدولي بما يخدم الشعوب.
مدبولي: القضية الفلسطينية الاختبار الأبرز لمصداقية النظام الدولي
وأكد رئيس الوزراء أن القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الأبرز لمصداقية النظام الدولي، في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وانتهاكات، مشددًا على أن هذه المعاناة لا يجوز أن تتحول إلى واقع دائم أو أزمة تتم إدارتها من جولة إلى أخرى دون معالجة جذورها.
وأشار إلى أهمية تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وفقًا لخطة السلام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومخرجات قمة شرم الشيخ، وضمان الالتزام به، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، واستكمال الانسحاب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة، إلى جانب تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من أداء مهامها، والبدء في التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وأوضح أن هذه الخطوات لا تقتصر على الجانب الإنساني، وإنما تمثل مدخلًا ضروريًا لمسار سياسي جاد يعالج جذور الصراع.
وأكد مدبولي رفض مصر القاطع لأي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
وقال: "السلام لا يمكن أن يُبنى على اقتلاع شعب من أرضه، وكل تصور أنه بالإمكان تحقيق استقرار في المنطقة في ظل تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني واستمرار سياسة إدارة الاحتلال بدلًا من إنهائه هو محض وهم وخيال".
وشدد على أن الهدف يتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمتصلة جغرافيًا على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين ووفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أكد ضرورة الحفاظ على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه وبناء دولته، وحماية المدنيين ورفض العقاب الجماعي وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن مصر تحملت مسؤوليتها، بالتعاون مع الشركاء، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وكانت من أكبر مصادر المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى قطاع غزة، مؤكدًا استمرار الجهود المصرية لدعم إعادة الإعمار وفتح أفق سياسي قابل للحياة.
الأمن الإقليمي لا يتحقق على حساب أمن الدول
وأكد مدبولي أن تجارب المنطقة أثبتت أن إدارة الأزمات بدلًا من حلها لا تحقق الاستقرار، وإنما تؤجل الأزمات وتزيد تكلفتها، مشددًا على تمسك مصر برؤية للأمن الإقليمي تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، ورفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية لها، وإعلاء الحلول السياسية والتسويات الوطنية.
وقال إن الدولة الوطنية القادرة على جمع مواطنيها، إلى جانب المؤسسات الشرعية، تمثل الأساس الحقيقي للاستقرار في المنطقة.
وشدد على أن الأمن "كل لا يتجزأ"، ولا يمكن أن يتحقق أمن دولة على حساب انعدام أمن جيرانها، أو من خلال تهديد طرق الملاحة والتجارة والطاقة، أو انتهاك سيادة الدول وقصفها بالمخالفة للقانون الدولي.
كما أكد ضرورة النظر إلى أزمات المنطقة باعتبارها مترابطة، مع دعم مؤسسات الدولة الوطنية ووحدتها وسيادتها، وتشجيع التسويات السياسية، ووقف التدخلات الخارجية، ومنع تحويل أزمات المنطقة إلى ساحات للتنافس الإقليمي والدولي على موارد الشعوب.
مدبولي: الأمن المائي لمصر قضية وجودية
وفيما يتعلق بالمياه، أكد رئيس الوزراء أن الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة، مشيرًا إلى أن نهر النيل يمثل شريان حياة ارتبط بوجود المجتمع المصري وتنميته عبر التاريخ.
وأوضح أن مصر تؤمن بأن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالًا للتعاون والتكامل وليس الصراع، مؤكدًا أن التنمية والأمن المائي يمكن أن يسيرا معًا إذا توافرت الإرادة السياسية واحترام القانون الدولي.
وشدد على أن مصر لا تعارض حق أي شعب في التنمية، لكنها تتمسك بمبدأ عدم بناء تنمية طرف على حساب الإضرار بالآخرين، مؤكدًا ضرورة إدارة الموارد المشتركة من خلال التعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقات ملزمة تحفظ الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأطراف.
السودان.. دعم وحدة الدولة ومؤسساتها
وتطرق مدبولي إلى الأزمة السودانية، مؤكدًا أن تداعياتها تتجاوز المواجهات العسكرية إلى تهديد أمن وسلامة المدنيين ومخاطر تفكيك مؤسسات الدولة.
وأكد أن السودان يجد في مصر دعمًا لشعبه، ولحقه في الوحدة، ولمؤسسات الدولة القادرة على حماية مقدراته.
إصلاح مجلس الأمن وتمويل التنمية
وأكد رئيس الوزراء أن عدالة القواعد لا تكتمل دون إصلاح المؤسسات التي تصنع القرارات الدولية، مشيرًا إلى مرور أكثر من ثمانية عقود على تأسيس الأمم المتحدة، بينما لا تزال بنية مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدمتها مجلس الأمن، تعكس توازنات تاريخية لم تعد تعبر بصورة كاملة عن واقع العالم الحالي.
وجدد تمسك مصر بإصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن، وفقًا لتوافق أوزولويني وإعلان سرت، وبما يعالج ما وصفه بالظلم التاريخي الواقع على أفريقيا.
كما دعا إلى إصلاح بنية التمويل الدولي، وزيادة التمويل الميسر، وتعزيز قدرة بنوك التنمية متعددة الأطراف على الإقراض، وتسريع معالجة الديون بصورة عادلة وفعالة، مشددًا على أن التنمية ليست منحة وإنما حق ومصلحة مشتركة.
وأكد ضرورة ألا تجد الدول نفسها أمام الاختيار بين سداد الديون وتمويل قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والغذاء والبنية التحتية، موضحًا أن الاستثمار في التنمية يمثل استثمارًا في الاستقرار العالمي وقدرة الدول على منع الأزمات قبل تحولها إلى أزمات إنسانية وأمنية عابرة للحدود.
الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر
وأشار مدبولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتح فرصًا واسعة للنمو والابتكار وتحسين الخدمات، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى ظهور فجوات جديدة في القوة ترتبط بالقدرات الحاسوبية والبيانات والمهارات والتمويل.
ودعا إلى وضع أطر دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يضمن الخصوصية والشفافية والمساءلة وعدم التمييز والإشراف البشري واحترام القانون الدولي.
كما شدد على أهمية نقل المعرفة والتكنولوجيا وتمويل البنية التحتية الرقمية وتطوير المهارات، حتى تتمكن الدول النامية من أن تكون منتجة ومطورة للتكنولوجيا، وليس مجرد أسواق لها.
وفي ملف المناخ، أكد أن التحول الأخضر لا يمكن أن ينجح دون مراعاة العدالة في التنفيذ، مشددًا على ضرورة ربط العمل المناخي بالتنمية ومكافحة الفقر وخلق فرص العمل، وإعطاء أولوية للتكيف والأمنين المائي والغذائي، خاصة في أفريقيا والدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ.
مصر تدعو إلى نظام دولي أكثر عدلًا وفاعلية
وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء أن مصر لا تكتفي بالمطالبة بإصلاح النظام الدولي، وإنما تضع خبرتها وقدراتها في خدمة الحلول، انطلاقًا من دورها العربي والأفريقي والمتوسطي وتاريخها في دعم العمل متعدد الأطراف.
وشدد على استمرار مصر في بناء الشراكات مع مختلف الأطراف، والعمل على حلول تحترم الأولويات الوطنية وتقوم على المشاركة والملكية المشتركة.
واختتم مدبولي رسالته بالتأكيد على أن: "الشرعية تكتسب معناها حين تتحول إلى نتائج، والمؤسسات تستعيد الثقة حين تنصف من تخدمهم، والثقة لا تُطلب بل تُبنى بالعدل، والتحول لا يُفرض بل يُدار بالمشاركة".
وأكد أن مصر ستواصل دعم كل جهد يستهدف استعادة الثقة والفاعلية للنظام الدولي متعدد الأطراف، وإدارة التحولات المتسارعة في العالم بصورة عادلة وتشاركية، بما يخدم مصالح الشعوب ومستقبل الأجيال القادمة.

