أخبار البنوك السعودية: صلابة ائتمانية تتحدى تقلبات الأسواق العالمية
في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق العالمية ملامح الاستقرار المالي لعام 2026، تتصدر أخبار البنوك السعودية المشهد بفضل نتائجها المالية القوية التي كشفت عنها مؤخراً. ورغم المؤشرات التي تتحدث عن اعتدال في وتيرة النمو الائتماني، إلا أن وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أكدت أن القطاع المصرفي في المملكة لا يزال يحتفظ بمتانة استثنائية تجعله وجهة جاذبة لأي عملية استثمار مؤسسي أو فردي. هذا التقييم الإيجابي يستند إلى بيئة تشغيلية مواتية مدعومة بالإنفاق الحكومي السخي والمشاريع العملاقة التي تضمنها رؤية 2030، مما يجعل المصارف السعودية الأقل تأثراً بالتباطؤ الاقتصادي مقارنة بنظرائها في دول الخليج.
تقييم "فيتش": لماذا تتفوق البنوك السعودية؟
أشارت وكالة "فيتش" في تقريرها الأخير إلى أن البيئة التشغيلية في المملكة حصلت على تقييم (bbb+)، وهو من بين الأعلى إقليمياً. هذا التفوق لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لعدة عوامل هيكلية ومالية:
-
السيولة المتينة: تمتلك البنوك السعودية هوامش سيولة مريحة وقدرة عالية على الوصول لمصادر تمويل متنوعة، محلياً ودولياً.
-
الدعم الحكومي: استمرار الإنفاق على المشاريع الكبرى (نيوم، القديّة، والدرعية) يخلق طلباً مستداماً على التمويل، مما يعزز الأنشطة غير النفطية.
-
الربحية القوية: أثبتت نتائج عام 2025 أن البنوك قادرة على تحقيق أرباح تفوق التوقعات، مدفوعة بارتفاع دخل العمليات والاستثمارات.
نتائج مصرفية تفوق التقديرات في 2025
شهد مطلع عام 2026 إعلانات مالية لافتة لقطاع المصارف السعودي. بنوك كبرى مثل البنك الأهلي السعودي، ومصرف الراجحي، والبنك السعودي الفرنسي، سجلت أرباحاً سنوية تجاوزت متوسط توقعات المحللين. هذا الأداء القوي يعزى بشكل رئيسي إلى تنوع مصادر الدخل، حيث لم يقتصر الأمر على فوائد القروض، بل امتد ليشمل رسوم الخدمات المصرفية، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية، وعوائد الاستثمارات ذات القيمة العادلة.
مصرف الإنماء: نموذج للتوسع والرسملة
حقق مصرف الإنماء أداءً استثنائياً في عام 2025، حيث بلغت أرباحه نحو 6.4 مليار ريال بنمو 10%. ومن اللافت أن محفظة القروض والسلفيات لدى المصرف نمت بنسبة 13.6%، متجاوزة نمو الودائع الذي سجل 8%. لتعزيز هذا التوسع، أوصى مجلس الإدارة بزيادة رأس المال إلى 30 مليار ريال عبر منح سهم مجاني لكل خمسة أسهم، وهي خطوة تعكس الرغبة في تعزيز القاعدة الرأسمالية لمواكبة النمو المستقبلي.
المشهد الإماراتي: بنك أبوظبي الأول يحطم التوقعات
لا تقتصر القوة المصرفية في المنطقة على السعودية فقط، ففي الإمارات، سجل بنك أبوظبي الأول (أكبر بنوك الدولة من حيث الأصول) أرباحاً صافية بلغت 21.11 مليار درهم لعام 2025.
محركات النمو في أبوظبي الأول
-
الإيرادات غير التمويلية: قفزت الأنشطة غير المرتبطة بالفوائد بنسبة 44%، مما يقلل من حساسية البنك لتقلبات أسعار الفائدة.
-
التوسع الإقليمي: الشراكة مع "أموندي" الفرنسية وتطلع البنك للاستحواذ على محفظة "إتش إس بي سي مصر" تعكس استراتيجية طموحة للهيمنة الإقليمية.
-
جودة الأصول: تراجع مخصصات انخفاض القيمة بنسبة 13% يشير إلى تحسن ملحوظ في جودة الائتمان وقدرة المقترضين على السداد.
تحديات 2026: تباطؤ الائتمان واشتداد المنافسة
رغم هذه الصورة المشرقة، تتوقع "فيتش" أن تشهد وتيرة نمو الائتمان في السعودية نوعاً من "الاعتدال الصحي". فبعد سنوات من التوسع السريع الذي وصل إلى 13% في 2025، من المتوقع أن يستقر النمو في نطاق 10% إلى 11% خلال عام 2026.
الضغط على هوامش التمويل
أدى اشتداد المنافسة على الودائع ومصادر التمويل إلى ارتفاع تكلفة الأموال على البنوك. ومع تشديد المتطلبات الرأسمالية، بدأت المصارف بالتوجه نحو أسواق الدين الخارجي. فخلال الشهر الأول من عام 2026 وحده، سجلت إصدارات السندات والصكوك نحو 3.5 مليار دولار، مما يعكس حاجة البنوك لتوفير سيولة طويلة الأجل لتمويل قروض المشاريع الضخمة.
استراتيجيات البنوك لمواجهة المستقبل
تعمل البنوك السعودية حالياً على عدة محاور لضمان استمرار ريادتها:
-
التحول الرقمي: تقليص التكاليف التشغيلية من خلال الاعتماد على التقنيات المالية (فينتك) والذكاء الاصطناعي في عمليات الإقراض والتدقيق.
-
تنمية الأنشطة غير التمويلية: التركيز على إدارة الثروات، وصناديق الاستثمار، والوساطة المالية لتقليل الاعتماد على صافي دخل الفائدة.
-
إدارة المخاطر: مواكبة التوسع الائتماني بمخصصات خسائر ائتمانية متوازنة تضمن حماية المركز المالي في حال حدوث هزات اقتصادية عالمية.
التكامل الإقليمي وجذب الاستثمارات
إن التعاون بين المؤسسات المالية الخليجية، مثل الشراكات الاستراتيجية بين بنك أبوظبي الأول والشركات العالمية، يضع المنطقة ككل في مركز جذب لمديري الثروات العالميين. في المقابل، تظل السعودية "المحرك الأكبر" بفضل ضخامة مشاريعها والتحول الهيكلي الذي يشهده ناتجها المحلي غير النفطي، والذي حقق مستويات نمو أسرع من المستهدفات المعلنة ضمن خطة 2030.
في الختام
تثبت البنوك السعودية يوماً بعد يوم أنها حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام بعيداً عن تقلبات أسعار النفط. إن التقارير الصادرة عن مؤسسات عريقة مثل "فيتش" و"إس آند بي" تؤكد أن متانة رأس المال والسيولة ليست مجرد أرقام في ميزانيات عمومية، بل هي انعكاس لثقة عميقة في الرؤية الاقتصادية للمملكة. ورغم التوقعات بتباطؤ طفيف في وتيرة الإقراض، إلا أن جودة الأصول والقدرة على تحقيق أرباح تشغيلية قوية تضع القطاع المصرفي السعودي في مكانة ريادية تضمن استقرار النظام المالي الإقليمي، وتوفر بيئة آمنة ومربحة لكافة الأطراف المتعاملة في هذا السوق النشط.

