الثلاثاء 13 يناير 2026 07:10 مـ 24 رجب 1447 هـ
بوابة النور الاخبارية
رئيس التحرير محمد حلمي
×

الأدب حين يتكلم بلسان الناس : عبد الرحمن الأبنودي نموذجًا

الثلاثاء 13 يناير 2026 01:07 مـ 24 رجب 1447 هـ
الأدب حين يتكلم بلسان الناس : عبد الرحمن الأبنودي نموذجًا

الأدب في جوهره فعل وعي ومحاولة مستمرة للإمساك بروح الإنسان وسط تقلبات الحياة وكل تجربة أدبية حقيقية لا بد أن تنبع من تماس مباشر مع الواقع لا من انعزال عنه ومن هذا المنطلق تمثل تجربة عبد الرحمن الأبنودي واحدة من أكثر التجارب الأدبية التصاقًا بالناس وبحياتهم اليومية حيث تحولت الكلمة لديه من أداة فنية مجردة إلى شهادة إنسانية حية
لم يتعامل الأبنودي مع الأدب بوصفه ممارسة جمالية فقط بل باعتباره موقفًا من العالم كان يرى أن الكاتب لا يقف خارج المجتمع ليتأمله من بعيد وإنما يعيش في داخله ويتأثر به ثم يعيد صياغته بالكلمة لذلك جاءت نصوصه مشبعة بتجربة معيشة لا مصنوعة في الذهن وحده وقد عبّر في أكثر من موضع عن قناعته بأن الشاعر الحقيقي هو من ينصت للناس قبل أن يكتب عنهم
اختيار الأبنودي للعامية لم يكن خيارًا لغويًا بقدر ما كان رؤية ثقافية فقد آمن بأن اللغة التي يتحدث بها الناس يوميًا تحمل طاقة تعبيرية هائلة وأنها قادرة على احتضان الشعر والفكر معًا. وفي نصوصه لم تكن العامية لغة سهلة أو عابرة بل لغة مشحونة بالتاريخ والوجدان الجمعي قادرة على التعبير عن القهر والحلم عن الهزيمة والأمل دون افتعال أو تكلّف
وتتعمق علاقة الأبنودي بالأدب حين ننظر إلى مشروعه في توثيق السيرة الهلالية لم يكن اهتمامه بالسيرة مجرد شغف بالتراث بل إدراك واعٍ لقيمة الأدب الشعبي بوصفه سجلًا حيًا لوعي المجتمع فقد رأى في السيرة الهلالية نصًا مفتوحًا يحمل تاريخ الناس البسطاء وأحلامهم وصراعاتهم ونظرتهم إلى البطولة والعدل والقدر ومن خلال جمعه وتوثيقه لأجزائها لم يكن الأبنودي يحفظ نصًا تراثيًا فحسب بل كان يحفظ ذاكرة جماعية مهددة بالضياع
تجربة السيرة الهلالية تكشف جانبًا مهمًا من فهم الأبنودي للأدب إذ لم يفصل بين المكتوب والشفهي ولا بين الفصيح والشعبي كان يرى أن الأدب الحقيقي هو ما يعبر عن الإنسان في لحظاته الصادقة سواء كُتب في ديوان
أو تناقلته الألسنة عبر الأجيال ومن هنا يتضح أن مشروعه الأدبي لم يكن فرديًا بل ممتدًا في الزمن متصلًا بجذور الثقافة المصرية والعربية
كما اتسم أدب الأبنودي بحضور واضح للبعد الأخلاقي دون الوقوع في الوعظ المباشر فقد انحاز في كتابته لقيم العدالة والكرامة الإنسانية لكنه ترك للقارئ حرية التفاعل والتأويل لم يقدّم إجابات جاهزة بل فتح الأسئلة وجعل من النص مساحة للتفكير لا للتلقين وهذا ما منح شعره قدرة على الاستمرار وجعل قراءته ممكنة في أزمنة مختلفة دون أن يفقد معناه
ولم يكن الأبنودي منعزلًا عن الجمهور بل كان حريصًا على وصول الأدب إلى الناس وقد تجلّى ذلك في حضوره القوي في الأغنية وفي انتشار كلماته بين شرائح واسعة من المجتمع ومع ذلك لم يكن هذا الانتشار على حساب العمق بل جاء نتيجة صدق التجربة ووضوح الرؤية فقد ظل وفيًا لفكرة أن الأدب لا يفقد قيمته حين يصل إلى الناس بل يحقق غايته الحقيقية
إن العلاقة بين الأدب وعبد الرحمن الأبنودي تكشف عن نموذج للكاتب الذي أدرك أن الكلمة مسؤولية وأن الكتابة فعل انتماء لا استعراض كتب الأبنودي من داخل الحياة لا من هامشها وحمل همّ الإنسان البسيط دون ادعاء تمثيله ولهذا تبقى تجربته علامة بارزة في الأدب المصري لا لأنها مكتوبة بالعامية فقط بل لأنها كتبت الإنسان وحفظت صوته وجعلت من الأدب ذاكرة حيّة لا تنفصل عن الحياة